يشرّفنا أن نشارككم كلمة مولانا الإمام العلامة الأستاذ الدكتور نور الدين علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، في طبعتنا من نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض
لا يُوجَدُ إنسَانٌ على ظَهرِ البَسيطةِ عَبرَ تَاريخِهَا دُوِّنَتْ أقوالُهُ وسَكَتاتُهُ وأنفَاسُهُ وحَركاتُهُ وسَكَناتُهُ، مثلما صَحَّ ذلك لسيدنا ﷺ
الحمدُ لله رَبِّ العَالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا ومَولانا وحَبيبِنا وقُرَّةِ أَعيُننا، ونورِ الله للكَونينِ، وهَدايتِهِ للثَّقلينِ والفَريقينِ من عُربٍ ومنْ عَجَمٍ؛ سَيِّدِنا ومولانا مُحمَّدٍ ﷺ السِّراجِ المنيرِ، والبَشيرِ النَّذيرِ، والنُّورِ المبينِ، والحبلِ المتينِ، ورحمةِ الله للعَالمينَ، وحُجَّتِهِ على خَلقِهِ أجمعِينَ، صلى الله عليه وعلى آلهِ العِترةِ الطَّاهرينَ، وأصحَابِهِ الغُرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وبعد:
فإن التَّعلُّقَ بالجنابِ النَّبويِّ الشَّريفِ مِنْ أهمِّ وسائلِ الوصُولِ إلى رِضا الله تبارك وتعالى، كَيفَ لا وقد جَعَلَ الله تعالى محبَّتَهُ ﷺ واتِّبَاعَهُ نَفْسَ مَحبَّتِهِ تَبارك وتَعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وجَعَلَ طَاعتَهُ ﷺ طَاعتَهُ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وأغلقَ الأبوابَ كُلَّها دُونَ الوصُولِ إلى رِضاهُ تعالى ومَعرفتِهِ؛ وفتحَ بَابًا واحدًا هو سيِّدُنا ﷺ، وأخذَ على النَّبيِّينَ جَميعًا قبلَ مَبعثِهِ الشَّريفِ بل قبلَ خَلقِ الدُّنيا بأسرِها العَهدَ والميثاقَ على مَحبتِهِ واتِّباعِهِ ونُصرتِهِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]، فالتَّعلُّقُ بذاتِهِ الشَّريفةِ ﷺ مِنْ أعظمِ مَظاهرِ مَحبَّةِ الله تعالى، ومَحبَّتُهُ ﷺ من أجلَى مَظاهرِ التَّوحيدِ والعُبوديةِ والدَّيْنُونةِ لله رَبِّ العَالمين؛ لأنَّ الله أرادَ هذا وأحبَّهُ وحَثَّ عَلَيهِ
وقد تَعلَّقَ المسلمُونَ مُنذُ عَهدِ الصَّحابةِ والسَّلفِ — رضوانُ الله تعالى عليهم — عَبرَ تَاريخِهِم بِسَيدِنا ﷺ، وبكُلِّ ما يَتصلُ بهِ ويدُورُ حَولهُ حِسًّا ومَعنًى ظَاهرًا وبَاطنًا، فعظَّمُوا منهُ ﷺ كُلَّ شيءٍ ابتداءً من سُنَّتِهِ المطهرةِ الَّتي فيها خَيرَا الدُّنيا والآخرَةِ وحتَّى نِعالِهِ الشَّريفةِ، فقد صنَّفَ فيها الشَّهابُ المقريُّ — صَاحبُ «نفح الطِّيب» — كِتابَهُ الماتِعَ «فَتحُ المتعالِ في مَدحِ النِّعالِ»، وكُتِبتْ في النَّعلِ الشَّريفِ قَصائدُ وأشعَارٌ، من أجملها قَولُ الشَّيخِ يوسفَ النَّبهانيِّ رحمه الله:
على رَأسِ هَذا الكَونِ نَعلُ مُحمَّدٍ
عَلَتْ فَجَميعُ الخَلقِ تَحتَ ظِلالِهِ
لَدَى طُورِ مُوسَى نُودِيَ اخْلَعْ وأحمدٌ
عَلَى العَرْشِ لم يُؤذَنْ بِخَلعِ نِعَالِهِ
وقَدْ أكثَرَ العُلماءُ من التَّصنيفِ في شَمائلِهِ وسَجَايَاهُ وخِصالِهِ الشَّريفةِ ومُتعلقاتِهِ المباركةِ ﷺ؛ إيمانًا منهم بأنهُ لا نَجَاةَ إلا بِمَحبتِّهِ واتِّبَاعِهِ وطاعتِهِ ﷺ، ولأننا أُمةُ توثيقٍ وإسنادٍ؛ فقدْ وثَّقُوا ذلكَ توثيقًا عِلْميًّا دَقيقًا لا مزيدَ عَلَيهِ، وهذا أمرٌ لم يحدثْ لِغَيرهِ من البَشرِ؛ حتَّى لا ندخلَ بالعَاطفةِ المجردةِ عن العِلمِ والتَّوثيقِ إلى عَالمِ الدَّجلِ والخُرافةِ، فلقدْ عَصَمَ الله حَبيبَهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، عَصَمهُ الله تعالى مِنْ أَنْ يَبقَى في الأُمَّةِ كَذِبٌ عَلَيهِ أو لَهُ، ولمَّا حدثت محاولاتٌ تصدَّى لها أهلُ العِلْمِ بالنَّقدِ والغَربلةِ
وقد دُوِّنَ في شَمائلِهِ ﷺ وأوصافِهِ وسَجَاياهُ وأفعَالِهِ الشَّريفةِ المصنفاتُ المتوجةُ بالأسانيدِ العَاليةِ القَويةِ الصَّحيحةِ كَشَمائلِ الإمامِ التِّرمذيِّ وكِتابِ الشَّفَا للقَاضِي عِياضِ بن موسى اليحصبيِّ، وغيرهما من المصنَّفَاتِ الَّتي دُوِّنتْ بِمِدادِ المحبَّةِ والعِلمِ، بِحيثُ بدَا للعَالمينَ أنهُ لا يُوجَدُ إنسَانٌ على ظَهرِ البَسيطةِ عَبرَ تَاريخِهَا قَدْ دُوِّنَتْ أقوالُهُ وسَكَتاتُهُ وأفعالُهُ، وخِصَالُهُ وشَمائلُهُ، وأنفَاسُهُ وحَركاتُهُ وسَكَناتُهُ والتِفَاتاتُهُ، وطَعَامُهُ وشَرابُهُ، وبيعُهُ وشِراؤهُ، وسِلْمُهُ وحَربُهُ، وجَلواتُهُ وخَلواتُهُ، ونَسبُهُ ونَسلُهُ، مثلما صَحَّ ذلك لسيدنا ﷺ، وهذا في حدِّ ذَاتِهِ إعجازٌ من الإعجَازِ، ورِفعَةٌ فوقَ رِفعَةٍ
إنَّ قضيتنا العُظمَى هي المصطفى ﷺ، فهو منهجُنا الَّذي نَحيَا به وله بقُلوبِنا وأَرْواحِنا وعُقُولِنا، فسيدنا ﷺ هو وسيلتُنَا إلى الله وهو سَبيلُ النَّجاةِ، وللأسفِ الشَّديد نَبتَتْ في الأُمةِ نابتةٌ شاذَّةٌ غريبةٌ عن مَنهجِ السَّلفِ الصَّالحِ وعن رُوحِ المحبةِ السَّاريةِ في الأُمةِ الإسلاميةِ، بل هُم إلى الخوارجِ أقربُ، فقد اعتبرُوا هذا التَّعلُّقَ الشَّديدَ بالجَنابِ النَّبويِّ الشَّريفِ غُلوًّا في الدِّينِ، وذَريعةً إلى الشِّركِ، ولو كانُوا من أهلِ العلمِ والتَّوثيقِ والاطِّلاعِ على السُّننِ لعَلِمُوا أنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانُوا يَتَسابقُونَ على نُخامتِهِ الشَّريفةِ، وعلى مَصِّ دَمهِ الشَّريفِ عَقِيبَ الحِجامةِ، وعلى حملِ نَعلِهِ ﷺ، وعلى تتبُّعِ مواطنِ سيرهِ وحَديثِهِ وقَضاءِ حَاجتِهِ الإنسانيَّةِ كما صحَّ عن سيِّدنا ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وسَائرِ الصَّحابةِ رضوان الله عليهم، فهذا التَّعلُّقُ من آثارِ التَّمسُّكِ بالسُّننِ، والمحبةِ الخَالصةِ لسيدنا ﷺ
ونَحنُ نَعمَلُ عَلَى إحيَاءِ مَنهجِ السَّلفِ الصَّالحِ لا نَدَّخِرُ وسْعًا في دَعمِ نَشرِ كُلِّ عَملٍ يَتعلَّقُ بجَنابِهِ ﷺ، وتَشجيعِ كُلِّ جُهدِ باحثٍ جَادٍّ يُخرجُ لنا عَملًا علميًّا يَتعلَّقُ بجَنابِهِ الشَّريفِ ﷺ، لذلك يسُرُّنا أن نُقدِّمَ إلى المحبِّينَ في العَالمِ هَذِهِ الدُّرةَ النفيسةَ، وهِيَ كِتابُ «نسيمُ الرِّياضِ في شَرحِ شِفاءِ القاضِي عِياض» للإمامِ شَهابِ الدِّينِ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ عُمرَ الخفَاجيِّ المصريِّ (ت: 1069هـ)، وهو من أهمِّ شُرُوحِ كتابِ الشَّفَا وأَوسعِهَا، وقدْ طُبعَ قَديمًا في المطبعةِ العُثمانيةِ والأزهريةِ، وله العَديدُ من المخطوطَاتِ، بيد أنه لم يَخرجْ — على أهميتِهِ — إلى النُّورِ مُحققًا في طبعةٍ حَديثةٍ
لِذلكَ انتهضتِ الهِمةُ العَليةُ في دَارِ سَفينةِ النَّجاةِ للقيامِ بهذَا العَمَلِ على مَنهجٍ علميٍّ رَصينٍ، مُقابَلًا على النُّسخِ الخَطيةِ المنتخبةِ، وعلى المطبوعَاتِ القديمةِ الَّتي غَدتْ في حُكمِ المخطوطَاتِ، مع ضَبطِ النَّصِّ وتَخريجِ الأَحَاديثِ والآثارِ والأقوالِ وشَرحِ الغريبِ والتَّعليقِ العِلْميِّ الذي يُناسبُ مَقامَ هذا النَّصِّ الجَليلِ، مع الاحترامِ والتَّبجِيلِ الكاملِ للإمَامِ الشِّهابِ الخفاجيِّ رحمه الله؛ فقدْ علَّمنا مشايخنا رضي الله عنهم أنَّ التحقيقَ إخراجُ النَّصِّ كما أرادهُ مُصنفهُ، ونحنُ نَقلنَا ذلك المنهجَ مُفصَّلًا لأبنائنَا وطُلابِنَا حتَّى يسري في الأُمةِ ونخرجَ من فَوضَى التَّجريحِ والتَّنقيصِ باسمِ التَّحقيقِ
ونَحنُ إذْ نُقدمُ هذا العَمَلَ المبارَكَ خِدمةً للجَنابِ النَّبويِّ الشَّريفِ، ندعو الله تعالى أن يباركَ في جهودِ القَائمينَ على دَارِ سَفينةِ النَّجاةِ لإخراجِ العَديدِ من الأعمالِ العِلميةِ والأبحَاثِ الجَادةِ الَّتي تدورُ في هذا الفَلكِ الشَّريفِ، فَلَكِ مَحبَّةِ رَسُولِ الله ﷺ وآلِ بَيتِهِ الطَّاهرينَ، وهذه المحبَّةُ هي المَخرجُ من كُلِّ فِتنةٍ، وهي بحقٍّ سفينةُ النَّجاةِ اللَّهمَّ أحيِنا على محبَّةِ سَيِّدنا ﷺ، وعلى مَحبَّةِ عِترتِهِ الكِرَامِ عليهمُ السَّلامُ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين