لماذا ألّف الشهاب الخفاجي «نسيم الرياض»؟ من كلامه في مقدمة الشرح

مقدمة نسيم الرياض للشهاب الخفاجي: مخطوط مفتوح على رحل خشبي بجوار نافذة مشربية

من كلام الإمام الشهاب الخفاجي رضي الله عنه حول دوافع شرحه لكتاب الشفا وشغفه بذلك الأمر، وغايته في اقتطاف ثماره الدانية وتجلية فوائده؛ لتتحول معارفه من سطورٍ مقروءة إلى أنوارٍ حية تُضيء دروب السالكين، وتُهذّب بأخلاق المصطفى نفوس الحائرين، وكذلك بيان سنده في تلقيه عن أكابر العلماء.

دوافع الشهاب الخفاجي في شرح كتاب «الشفا» وتسميته «نسيم الرياض»

... فلمَّا كنتُ قَدِيمًا وحَديثًا يحثُّني حادِي الشَّوقِ نحوَهُ حَثيثًا، وقُضبُ الصِّبَا غَضَّةٌ مُورِقَةُ الأَفنَانِ، ورِياضُهُ الزَّاهِرُ محفُوفَةٌ برَوحٍ ورَيحَانٍ؛ لِشَغَفِي بصِفاتهِ ومَوصُوفهِ، وطَربي بسَماعِ تَليدِهِ وطَريفِهِ، ثَمِلًا بحُمَيَّا شَفَّت عنها ظُروفُ حُروفهِ، لا أَزالُ أَقْفُو العَينَ بالأثَرِ، مُنشِدًا وقد نَابَ السَّمعُ عن البصر.

فَاتَنِي أَنْ أَرَى الدِّيارَ بِطَرفِي
فَلَعلِّي أَرَى الدِّيارَ بِسَمْعِي

وكانَ يصُدُّني عنهُ ما في البَاعِ من القِصَرِ، وزَمانٌ لا يُعرفُ فيه وِردٌ من صَدَر، [ثُمَّ قلتُ لضَعيفِ الفِكرِ: خيرُ الطَّعامِ ما حَضَرَ، وخيرُ أَنواءِ الرَّبيعِ مَا ابْتكَرَ] فلمَّا رأيتُ له شُروحًا ربَّما تنشرحُ بها الصُّدُور، وإنْ لم تَخلُ قصُورُها المَشِيدةُ من قُصُورٍ، وفي بعضِها أَغاليطُ، وتطويلٌ مُملٌّ وتخليطٌ، إلَّا أنَّ تقليدَ النَّاسِ لبَّى صَريحَ نِدائِها، والبحثَ قدْ أمَّن على دُعائِها، فتلأْلَأَ ما فيها من تَلاعُبِ الظُّنونِ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58] فسوَّدتُ بعضَ الأمَالي؛ رجاءً لأنْ يُبيَّضَ بها صُحُفُ أَعمالي، فيُسَرَّ بهَا كاتبُ اليمِينِ، وترفعَها أَيدي الكِرامِ الكَاتبِين.

فلمَّا رآهُ بعضُ الأصحَابِ سألَنِي أنْ أُبرزَ مخدَّراتِه مِنْ خَلفِ الحِجَابِ، وألَحَّ عليَّ في ذلك دفعةً بعدَ دَفعةٍ، وأنا أقولُ له: «هذا يَاسَمينُ لا يُساوِي جمعَهُ»، وهو يَمُدُّ يدَ أملِه لاقتطَافِ وَردةٍ له لا تُجتَنى، ويهُمُّ بذوقِ ثمرَاتِهِ الغَضَّةِ الجَنا، وقَضبُهُ بريحِ القَبُولِ ما ترنَّحتْ، ووَردتُهُ بنسِيمِ السَّحَرِ ما تفتَّحت؛ كعَذراءَ أبصَرها مبصِرٌ؛ فغطَّتْ بأكمامِها رأسَهَا.

ثم عرضَ لي بغتةً ما عَرضَ ممَّا أضرَّ بجوهَرِ القُوى من العَرَضِ، فقصدتُ شفاءَ الرُّوحِ والبدنِ، بإسنادِ الجِسمِ الضَّعيفِ لحديثهِ الصَّحيحِ الحَسنِ؛ رجاءً للظَّفرِ بسَعادةِ الدَّارينِ، ممَّا فيه من عَينِ القُرَّةِ وقُرَّةِ العَينِ لتشتفيَ به أمراضُ القَلبِ إذَا أَتتِ السَّاعةُ، فنِلتُ منه بحَمدِ الله تِرياقًا مجرَّبًا وبُرءَ ساعةٍ، ولمَّا انجَلى على مِنصَّةِ التَّمام، وفُضَّ منه مِسكُ الخِتام، سمَّيتُه «نَسِيمَ الرِّيَاضِ في شَرْحِ شِفَاءِ القَاضِي عِيَاضٍ» رجاءَ أنْ يَهُبَّ عليهِ ريحُ القَبُولِ، وإن كانَت نسَماتُ الآمالِ عليلةً، وتشمَلَهُ نفحةٌ من نفحَاتِ الرَّسُول صلى الله عليه وآله وسلم فتَشفِي مِن الظَّمأ غَليلَهُ

(نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض 1/7-9 ط. دار سفينة النجاة. القاهرة 2026م)

سند الشهاب الخفاجي في رواية كتاب «الشفا»

وعن سنده في تلقي كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم» يحدثنا الإمام الشهاب الخفاجي رضي الله عنه فيقول:

واعلَمْ أنَّ سَندِيَ في هذا الكتابِ وغيرِه مِن كُتبِ الحَديثِ سِلسِلةُ الذَّهبِ من طُرقٍ عَاليةٍ، أَعلَاها رِوايتِي له عن خَاتمةِ المحدِّثينَ الشَّيخِ إبراهيمَ العَلقَميِّ، وهو عَن أخيهِ الشَّمسِ العَلقَميِّ شارحِ «الجامعِ الصَّغير»، عن مؤلِّفهِ الجلالِ السُّيوطيِّ، بقراءَتي عليه من أوَّله إلى آخرِهِ بالجَامعِ الأَزهَرِ، وسَندُ السُّيوطيِّ -رحمه الله- أشهرُ مِنَ الشَّمسِ في رابِعَة النَّهارِ، وعن شَيخِ الإِسلامِ شافعيِّ زمانِه الشيخِ العلَّامةِ شمسِ الدِّين مُحَمَّدٍ الرَّمليِّ، عَن والدِه الشَّيخِ أحمدَ الرَّمليِّ، عن شيخِ الإِسلامِ زكريَّا الأَنصاريِّ، وعَن والدِي قدَّس الله رُوحَه عَن الشَّيخِ شهابِ الدِّينِ بنِ حَجَرٍ الهيتميِّ، وهَكذا كَابرًا عَن كَابرٍ إلى المصنِّف؛ وهو عِيَاضُ بنُ موسَى بنِ عِيَاضِ بنِ عُمرَ بنِ موسَى بنِ عِيَاضٍ اليَحصُبيُّ السَّبْتيُّ الغَرناطيُّ المالكيّ

(نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض 1/9-10 ط. دار سفينة النجاة. القاهرة 2026م)

ويجد القارئ هذه المقدمة كاملة في الجزء الأول من طبعة دار سفينة النجاة المحققة من «نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض».

شارك المقال

مقالات ذات صلة

جميع المقالات